نحن نصوّر

المكان أرض شاسعة منبسطة تغري بسباق الخيل وفي الخلفيّة ضباب شفيف يخفي بعضا من الهضاب وجبال غابت في الزّرقة كأنّها تُبنى للمجهول ,والزّمان؟:فصل شتاء جاد بيوم صحو دافئ قد يطاول يوما من أيّام مارس لو قدّر للمشاهد أن يظلّ مسمّرا أمام الشّاشة الوهمية والشّخضيّات ؟بربريّ تعرّب جدّه وأسلم بعد ذلك, مازال متشبثا بالبرنس, يجمع عبيده وخيوله في هذا السّهل الممنتدّ في ناحيّة باجة ويأخذ ميثاقهم كما تعوّد أن يأخذه في كلّ سنة في مثل هذا الوقت من السّنة القمريّة .العبيد من أعراق مختلفة يجمعهم الانكسار في النّفوس والانحناء المفروض على المؤمنين وتوحّدهم أقدارهم ومصائرهم . كانوا يجرّون أرجلهم متسنّنين بأسلافهم من العبيد الذين زرعوا في هذه الأرض .والسيّد العربي البربري  الناظر إلى الفضاء…الأفق …إلى حيث يقيم الضّباب والزّرقة يجمع حوله أبناءه وأحفاده ويستمرّ في بسط يده للتّقبيل وكلّما انتهى شوط من فرائض الطّاعة بدأ شوط أخر وعاد الرّجال والأبناء والنّساء من الصفّ خلف الحاج إلى الوقوف بين يديه للتّقبيل من جديد والانحناء كما لو أنّهم لم يقبّلوا اليد إلاّ الآن  .وللحاج الحقّ في أن يفصل بين الأشواط السّبعة وله ان يصلها ببعضها وله أن يقصر وان يجمع وله أن يطمئنّ إلى الشّوط فيستغرق جلّ اليوم وله أن يؤجّل تلك الفروض قضاء وله ان يقدّم

يبدو الحاج مضطربا أشدّ الاضطراب وأحيانا تغشاه السّكينة … ها هو يذرع المكان جيئة وذهابا ,,,يتجاوز البروتوكولات أحيانا وأحيانا يعود إلى تقبّل فروض الطّاعة باطمئنان …يسلّم يده لتستقرّ في الكفّ المرتعشة ويرسلها أحيانا قلقة مضطربة لا تكاد تلمس الكفّ حتى تعود جزعة كالملسوعة .لا ريب أنّ حجّه هذه المرّة سيطول فالطّريق التي سيسلكها ذهابا وإيّاب تقتضي من الأيّام والأشهر أكثر مما كانت تقتضيه في المرّات السّابقة من السّنين السّالفة …وللوصول إلى مكّة في الوقت المحدد كان يجب عليه أن ينطلق من باجة قبل الموعد الذي تعوّده بشهرين أو اكثر بقليل فمروره بإيطاليا والبوسنة وبلاد البلغار وركوبه البحر إلى جزر اليونان فالشام فالحجاز مسافة طويلة وسفر مضن ولكنّ الحاج يرغب في ذلك مادام سيربح من تجارة الرّقيق الأبيض كما ربح في السّنوات الماضيّة من تجارة الرّقيق الأسود :حجّ وحاجة

نظر الحاج إلى زوجته الشّابة …نظر إليها مليّا ثمّ تحوّل ببصره إلى عبد أبيض كان يقف بالقرب منه يمسك بعنان الحصان الأسود الذي ما فتئ يدكّ الأرض بحوافره ويصهل.رفع عينيه عن العبد وألقي ببصره على الحصان ثمّ في حركة عصبيّة سأل الخادم سؤالا تحاشاه المترجمون منذ قرون.سأله: »هل القرآن قديم أم مخلوق ؟ »فضحك العبد وصمت .وأعاد السيّد السّؤال من جديد : » سّألتك هل القرآن قديم ام مخلوق ؟ » وقال في نفسه وهو يفتل شاربه : » إنّه واقع لا محالة »اطرق العبد الأبيض في الأرض وقال : »وما أدراني بالقرآن إن كان قديما أو محدثا « فقال له السيد : »لا عليك اختر إحداهما « .فردّ العبد : »وما ذا يختار لي سيّدي ؟ » داعب السيّد طرف لحيته وخلّلها بأصابعه ثمّ قال في هزؤ لتختر الجواب الأوّل « فقال العبد : »إذن هو قديم والله اعلم « وما إن نطق بها حتّى أشهد عليه السيّد أهله وبقيّة العبيد وقاتل في صوت تملؤه السّخريّة إذن أنت كافر بحسب ما يراه القدريّة ولا شكّ أنّني سأقيم عليك الحدّ أيّهاالمرتد « فارتعدت أوصال العبد وداخله الرّعب وقال : »: أنا تائب يا مولاي …تائب وليأذن لي سيّدي في ان أصوّب الخطأ ..إنّ القرآن مخلوق ولا ريب « فأشهد عليه الحاج اهله ومن حضره من العبيد وقال لهم أسمعتم ما قاله هذا الزّنديق .لقد تاب منذ لحظات ثمّ عاد فخرج من الملّه ومرق من الدّّين مرّتين في مجلس واحد .والله لأقيمن أمر الله فيك ..

ودعا بأربعة خيول شداد مجهّزة بلوازم الجرّ وأمر بالعبد الشاب الأبيض الوضيء فطرح أرضا وشدّت أطرافه كلّ طرف إلى حصان جموح تعشّش بداخله رغبة قديمة في الخوض في أنهار الدماء واستعدّت الكلاب السّائبة لخوض حروب ليليّة في هذا الشتاء الرّكيك وما هي إلاّ برهة من الزّمن حتّى أنهى السيّد آخر طقوس تجديد الولاء والاعتراف بالنّعمة فاصطف وراءه الأهل والعبيد إلاّ أربعة ظلّوا يمسكون بأعنّة الجياد الجموحة …نظر السيّد البربري المتعرّب إلى زوجته الشّابة التي تزوّجها منذ أسبوع أو أكثر بقليل وأعطى الإشارة بضرب الخيول فطارت مع الرّيح في جنون فكانت  كالعواصف الكونيّة تهبّ من الجهات الأربع .لتمزّق بساط الرّحلة الوهميّة ولتلقي به على الشّاشة التي غمرها الدّم وعندما أظلم البصر وطارت الخيول في الفضاء والآفاق البعيدة وغابت في السّحب الرّاكدة في الأعالي وغدا الدّم المتدفّق يلوّن الشّفق وقد غابت الشّمس بسرعة وفجر الظّلام من مكمن الحقد ..

 ابتسمت الزّوجة الشّابة وبكت فابتسم السيّد ولوّح بالمفتاح في يده في تحدّ ثمّ غاب في طريق الحجّ الأبدي

مضى الموسم كما مضت قبله المواسم وعاد الحاج وفي يمينه ملك ألف من العبيد ليس فيهم يوسف ولا اورفي ..كانوا بيضا صقالبة شدادا ولا يوسف فيهم ولا أورفي ولا سارق للحضارة …جاؤوا يجرّهم العرفاء …جاؤوا بلا أمل في تعبير الرّؤى …كان السيّد البربري ّ المتعرّب يمنّي نفسه بإقامة الحدود المعطّلة منذ الهجرة

عندما طال أرق السيّد خرج إلى الشّرفة وأمعن النّظر في درب التبّانة ورأى الهلال يولد ويكبر في القلب ورأى زوجته الشّابة البيضاء الرّشيقة مشنوقة وقد أدمى جسدها الرّجم …..

في 14-11-2006

 

Laisser un commentaire

 

Les animaux en voie de disp... |
perso |
yohann67 |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | tout pour ton gsm
| Radio-Kipo - 98.11 KM
| Apprendre tout le blog vert