سيرة غائب

Posté par reason65 le 2 avril 2010

سيرة غائب

 

«   السّلام عليكم … في البدء اسمحوا لي أن أقدّم نفسي : بكلّ تواضع , أنا أحمد الرّعاشي المشهور بأبي دجاجة …تجاوزت السّتين سنة بقليل … أب لفتاة وحيدة ذهبت بها الرّيح وهي طفلة ومن يومها لا أنا سألت عنها ولا نقمت على الرّيح … لم أشكُ حرقة في حياتي ولم أحبّ إلاّ نفسي .والمرَّة الوحيدة التي أحسست فيها بالحبّ والحرقة كانت بسبب دجاجة ذهبت بعقلي .ربَّيتها فرخة وغذوتها القمح والشَّعير حتى كبرت وغدت دجاجة شقراء بيوضة صوتها صدّاح … وذات يوم ذهبت بها الرّيح …كان ذلك يوم ذهبت بابنتي الوحيدة …كنت أبكي وأنا أستصرخ وأقول : ذهبت الريح بعزيزتي … ذهبت الرّيح بالدَّجاجة … » فسمعني النّاس أعيد وألحُّ على الدَّجاجة فسألوني  : »بربّك هل أنت أبو البنت أم أبو الدّجاجة ؟ « فأجبتهم : »ساعدوني على استعادة الدّجاجة وسأخبركم من أكون . »ومنذ ذلك الحين لقّبت بابي الدّجاجة … هذه قصّتي مع الاسم واللقب … ولعلّكم لاحظتم أنّي عجوز متقدّم في السنّ ومصاب بمرض الرّعاش وقلبي ليس معي ولا هو كان معي يوما … متقاعد من الجيش … أفنيت ثلاثة أرباع عمري في تطبيق الأوامر… لم أشعر يوما أنّي أقوم بالواجب ولم أطالب بحقّ …ما كانت تهمّني كيفية تطبيق الأوامر ولا الغاية منها وما كنت أشعر لذّة الإيمان بما كنت أفعله …لست أدري لماذا يعجبني دائما أن أكون على الهامش …هذا أنا بدرن إطالة …أمَّا من قتل ساعي البريد فأنا لا أعرف من قتله على وجه الدّقّة … ولكنّي مع ذلك أرغب في أن أخدمكم بخبرتي في هذا المجال : قلتم لي أنّكم لم تعثروا على دم أو ما يشبه الدّليل على قتله وزعمتم أنّ القاتل لا بدّ أن يكون قد اختطف الضّحيّة قبل أن يقتله في مكان آخر … فإذا كان الأمر كما تصفون فانّ لي تفسيرا للذي حدث .فبما أنّ الرّيح قد أخذت دجاجتي وبما أنّها كانت قادرة على الذّهاب بالفيلة التي لا يأسف لذهابها بها أحد فهي في الحقيقة لن تعجز عن أخذ ساعي بريد لا يقدر على أن يعصم نفسه من الهوى … » 

 

…نظر إلى صورته المنعكسة على زجاج نظّارات المدّعي العام فلاحظ أنّ بطنه قد تكوّر وأنّ نصفه الأعلى قد نزل إلى مستوى عير معهود وأنّ رجليه قد قصرتا وصار له مثل الذّيل وللوهلة الأولى اعتقد أنّه يرى دجاجة …نمت بداخله رغبة بلّوريّة في أن يمسك بها ويضمّها إليه … وتذكّر فجأة أنّ الرّيح تأخذ ولا تعطي … وغشته موجة من القسوة على نفسه قال حينها بصوت خفيض : »أتمنَّى أن تجدوا ساعيكم في عيون غيري … »وطلب شربة ماء .

 

« لم أكن أعتقد أنّ الرّيح لها حاجة بسعاة البريد …سألت عن حاجتها لدجاجتي فقيل لي هو الهوى أو العشق أو الشّبق ولكن لما أخذت ساعي البريد ؟ آه … إنّي لأرثي لحال ريح لا تميّز بين الدّجاج وعمّال البريد …هل من سؤال ؟

 

لم ينتظر سؤالا ولم يرغب أحد في إيقاف هذيانه… انهمك الجميع في تقييد ما كان يقوله .تحسّس بطنه وصدره وفمه وتأكّد من أنّه لم يتحوّل إلى دجاجة كما يوحي بذلك الجوّ العام للجلسة …

 

سألهم إن كانوا يرغبون في توجيه سؤال إليه .قال لهم في هدوء :

 

« الجمال وحده ليس مبرّرا كافيا للعشق …تلكم الدّجاجة كان لها ما هو أهمّ من الرّيش والصّوت والاكتناز والمشية …كان لها عقل الإنسان « العاقل » ورؤية البصير وحنكة المجرّب وقناعة الفاشل بتدخّل « ريحّ » القدر في فشله …أحببتها لأنّها كانت تعرف حقّ قدرها ولأنّها كانت تدَّعي السّذاجة وتوهم بالبراءة وتظهر عدم الحيلة وقلّة الفهم …كنت إذا أردت الإمساك بها حرّكت لساني في فمي وضممت يدي كالقابض على الحبّ ودخلت البيت وأنا أدير لساني في فمي فتتبعني فأدخلها البيت فأغلق عليها الباب فأمسكها ف…ف…ف… ولم تعلّمها الأيّام والتّجارب ولم تستفد من كلّ ما مرّ بها من تغرير … كنت أستدرجها إلى البيت حينا وحينا أجري وراءها وأدعوها إلى البروك فتبرك…هذا سبب مقنع لأن يكون لها في نفسي ما لها من المكانة …

 

- »هل من سؤال ؟… »    

 

قال : »أنا ودجاجتي سواء … ولذلك لم أثر على الرّيح التي ذهبت بها

 

ببساطة أنا أحبّ دجاجتي …وأنا أعذر الرّيح وأتّهم نفسي « 

 

« كت…قاق …قاق كت…قاق  » ثمّ انتشرت الفوضى في قاعة المحكمة وتصايح القاضي والمحامون والمستشارون وصاح معهم ساعي البريد الذي وصل لتوّه حاملا رسالة سريّة … » « كت…قاق …قاق كت…قاق » كانت حظيرة دجاج بدون ديك …دخل ثعلب …كانت المجزرة …وذهب أحمد الرّعاشي المشهور بأبي دجاجة مع الرّيح…

 

:2002-05-28

 

 

Publié dans الأدب | Pas de Commentaire »

 

Les animaux en voie de disp... |
perso |
yohann67 |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | tout pour ton gsm
| Radio-Kipo - 98.11 KM
| Apprendre tout le blog vert