جملة فعليّة

جملة فعليّة فقط

عدت إلى البيت متعبا … قد لا أغادره البتّة … دخلت لا أدري لمَ دخلت … أخرجت من جيبي بقيّة النّقود … جعلت ثلاثين دينارا للكفن … وضعت فوقها عشرين دينارا لأبي لتغطية مصاريف الدّفن وزد ت على المبلغ عشرة دنانير مصروف المأتم … وزدت دينارين اثنين ثمن منديل لأخي الصّغير ليمسح به لعابه … حلقت ذقني ومشطت شعري وسوّيت قليلا من شاربي العريض … تذكّرت ما يمكن أن يتطرق من غلط في الحساب … ارتبكت كثيرا … تشاءمت كثيرا … اتّجهت صوب الطّاولة وأعدت العدّ ثمّ قسّمته أقساما … أعدت ترتيب الأمور ثمّ سوّيت من شاربي مرّة أخرى وصعدت على الكرسيّ … تذكّرت ما سيقوله عنّي الأصدقاء … نزلت … تناولت القلم وكتبت وصيّتي في ما أملك وكتبت خطابا للأصدقاء … رجونهم أن ينسوا الأمور بسرعة … خفت أن يكون لي روح ككلّ البشر فأعذّب بأحاديثهم بعد الخروج … تناولت حلقة الحبل الأبيض  الجميل … تناولتها  بكلتا  يديّ بدت ناعمة ورقيقة … أدخلت فيها رأسي … أعجبني تمريرها أَمَام عَينيّ … رأيت العالَم من خلال عقدة في حبل … تمنيّت أن أعضّ على الحبل قليلا … ندمت على كتابة الوصيّة والخطاب … نزعت الحلقة من عنقي ونزلت لأمزّق الكتاب … نثرته في أرجاء الغرفة … قلت في نفسي : » لو كنت مكان الأهل والأصحاب لنثرت على جثّتي رزّا … تذكّرت بقيّة فهوة في كأس … عدت إلى حيث الفنجان وكفأته في فمي … يعجبني أن أموت وفي فمي طعم القهوة … لم أر سنا الوداع الأخير : »عليّ أن أتخيّر الشّهادة الأخيرة فهي لا تكتب فتٌصلح …سوّيت من شاربي وأعدت مشط شعري    … ما أجمل أن يموت المرء وسيما … قفزت في الهواء …قفزت قفزة وقفزة وقفزة … تمنّيت أن أحسّ بالتّعب وأن يتصبّب جبيني عرقا … لم يحدث ذلك ولكنّي أحسست بنشوة الحركة تموت تدريجيّا … قلت بصوت سمعته بوضوح : »لن يتعلّل النّاس بعدي بعلّة الأبدان والوهن … اتّجهت نحو الكرسيّ الخشبيّ …حرّكته مرّتين … تأكّدت من ثباته على الأرض رغم دورانها …وثبت وثبة فإذا أنا عليه … استويت واقفا … حاولت تذكّر شيء هام يستحقّ أن يموت في ذاكرتي ويرحل معي … نسيت كلّ شيء … شغلني بياض الحبل وصفاء اللون الأصفر في السّقف … مددت يدي الواثقة إلى الحلقة وجذبتها بكلّ لطف نحو رأسي … حاولت أن أدخلها في الثّقة فأدخلت رأسي فيها … نجحت في أن أحافظ على شعري ممشّوطا وعلى شاربي مسوّى … رأيت جمهورا من المصوّرين يتدافعون وآلاتهم تضيء بشكل يخطف الأبصار … فكّرت في الانحناء لتحيّتهم لكنّي عذلت عن ذلك حينما تذكّرت أ نّ ذلك قد يسيء إلى سمعتي وإلى وقار هذا الحبل الأبيض الجميل … كنت أنتظر أن يسألني أحد عن رأي في الغرفة لكنّ أحدا لم ينبسّ ببنت شفة … حرّكت عينيّ بلطف … قلت في نفسي أنا أكثرهم وسامة … لم يكن في الغرفة أحد غيري … أطبق الصّمت … تجمّدت الحركة حتّى خلت أني أبعث من جديد … ندّت عنّي حركة لم أفهمها … كانت لفتة رفيقة نحو الباب … طرق الباب من جديد … سحبت رأسي من الحلقة البيضاء وقفزت على الأرضيّة … مشيت نحو الباب وأنا متأكّد من وجوب إعادة مشط شعر رأسي وتسوية شاربي العريض … فتحت الباب … مدّ لي ساعي البريد مجموعة من الرّسائل … نظرت إليها وأنا أمسح على شعري وشاربي العريض قلت له : » شكرا … تأكّد أنّني أعرف هذه الرّسائل … لقد أعدت إليّ رسائلي التّي كنت أبعث بها لنفسي … ليس فيها شيء مهمّ بإمكانك أن تفضّ ختمها … لامانع لديّ  من أن تقرأها …مازالت رسالة أخرى في الطّريق … ستصلك قريبا … اقرأها فهي من أهمّ رسائلي على الإطلاق … اقرأها وحدّث بها أصدقائك … سأكفيك مؤونة إيصالها إلي البيت … سأكفيك مؤونة تجشّم مشقّة الخوض في البرك التي تخوضها لتضع الرّسائل بين يديّ … سأكفيك مؤونة التّعرّض لشراسة الكلاب … افعل مثلي … اكتب رسائلكَ لنفسك وتخيّر ما يعجبك من المعاني والألفاظ … لن يكتب إليك أحد كما تكتب أنت لنفسك …

 

أطرق ساعي البريد برهة ثمّ مضى …عدت إلى الكرسيّ والحبل الأبيض الجميل .أخرجت مشطي من جيبي وقضيت زهاء السّاعة في مشط شعري وتسوية شاربي العريض … ما أجمل أن أموت سعيدا …نظرت إلى قطع الورق وقد تناثرت على الأرضيّة …لم أعد أهتمّ بالشّهادة وشكلها … كنت وحيدا في الغرفة … الباب المغلق منذ يومين لا يغري بالنّظر إليه …كلّ الحسابات مضبوطة …أحبّ أن أقول شيئا …أحبّ أن تبدوَ عليّ الفرحة وأنا ألقي بنفسي من على الكرسيّ …نظرت إلى بعيد …نظرت إلى بعيد بعيد … لا أشكّ في أنّ الغرفة بإمكانها أن تخونني …يجب أن أبحث عن الصّيحة … لن أقبل بغير صيحة المؤمن الشّجاع … ذعر برباطة جأش …لا أعرف غير نمط واحد من الصّياح … فلتكن صيحة وكفى … حرّكت يديّ في الفضاء …ابتسمت …قهقهت … صحت …صحت …أصلحت الصّيحة مرارا … ثمّ…ألقيت بنفسي …ألقيت بنفسي مرّة أخرى … دفعت الكرسيّ برجليّ …غاصت سيقان الكرسيّ في الأرضيّة …نزل السّقف …تدلّى الحبل حتّى ألقي على الأرضيّة … جذبت نفسي إلى الخلف …طال الحبل أكثر … تولّد الحبل من السّقف … قهقهت بأعلى صوتي …بكيت …قهقهت وصحت …كنت وسيما وشعري كان ممشوطا وشاربي كان رائعا في نظامه

 

نزعت الحلقة من عنقي … كنت في الوحشة المطلقة … ألقيت بالحبل الأبيض وقد مُسخ …بصقت على الأرضيّة وعلى الكرسيّ وعلى الحبل والسّقف …لعنت البيت …لا أفق … مضغت الصّمت … فتحت الباب الموصد منذ يومين وأسرعت مقتفيا أثر ساعي البريد … قد أجده يخوض في ماء البركة … خرجت دون أن أفكّر في إعادة مشط شعري وتسوية شاربي 

 

         

 

 

 

                                                                                               فيفري 1992   

Laisser un commentaire

 

Les animaux en voie de disp... |
perso |
yohann67 |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | tout pour ton gsm
| Radio-Kipo - 98.11 KM
| Apprendre tout le blog vert