• Accueil
  • > في دار النّدوة

في دار النّدوة

في دار النّدوة
دقت الطّبول بإيقاعات أزليّة وحشيّة وضربت النّواقيس بصدى لا يتردّد إلاّ في مخيّلة الشّاعر القوّال .كنت واقفا أواجه الرّيح والغبارُ قد ملأ فجوات الزّمان حين استدار .اجتمع الشّعراء وجاؤوا من كلّ فجّ عميق .جاؤوا على كلّ ضامر وكلّ سيّارة وجاؤوا راجلين …وقفت أنتظر بيتا يقيني حاجة الحضارة .
في مقدّمة الكوكبة المتّجهة إلى الحجّ كان وضّاح يتصنّع التّوبة يركبها إلى غاية ويواري بها حاجة استبدّت في القديم بآدم .قال وضّاح وهو ينزل من اليمن مغرّبا تارة وتارة أخرى يشرّق .قال ذاك الفتى الشّقيّ الذي كلّما ذُكر اسمُ نارسيسَ وحادثة سقوطه في البركة أغمي عليه ولا يستفيق من غيبوبته إلاّ إذا سبلت عليه حاجّة ٌخصلاتٍ من شَعْرها ,قال وضّاح : »إنّي نويت الحجّ .ولا يستقيم فرض بلا نيّة …إنّى حاجّ فأعينوني على جمع سبع حصيّات ألقيها في استدارة الزّمان إذا أدبر ».
تشاغل عنه أصحابه وساروا وراءه يستعيدون ما حفظوا من الشّعر قبل أن يفرّخ كلّ ذالك الكمّ الهائل من الشّعراء .كانوا يطنون كالنّحل .ولم يلتفت أحد إليّ ولا إلى الحسن بن هاني الذي اتّكأ على جذع شجرة الزّقوم يدخّن غليونه ويلقي على والبة بن الحباب درسا بالمقلوب أوّله عند والبةَ وخلفٍ الأحمر وأخره يلاعب نُواسا كأنّ أمّ الحسن مشطته اللحظة .كان الحسن بن هاني يعيد على والبةَ أغنية النار تذهب بالفؤاد إذا استدار الزّمان وتكوّر الكون .كان كلّما تكلّم خرجت من فيه موجات من الدّخان المخلوط برائحة النار ..كان الحسن يرتعد كالصّبي يسأل عن أبيه فلا يجد جوابا أو كأنّ الرّيح توشك أن تذهب به أو كأنّ الغبار يوشك أن يطمره .
قال درويش : »اليوم يستدير الزّمان كيوم ولد تأبّط شرّا وكيوم حجّ الشّنفرى وهو يهلّ معيدا : »قزح قزح أبدل حزننا فرح « واستدار كيوم تأبطّ ثعابينَ وكيوم ارتعشت فيه يدُ سميح القاسم لأوّل مرّة وهو يكتب الحجر بالقصيدة ..وكيوم كُتِب بشّارٌ شاعرا في لوح القوّالين وكيوم .. »ثمّ اختفى درويش في دورة الزّمان وسيعود ربّما …في تلك الأثناء كان وضّاح يقرأ للريح آخر دواوين الشّبق …يقرأ للريح لأن الجميع كانوا منشغلين عنه باسترجاع الشّعر البكر قبل أن يفقد وهجه .مرّ عبر الريح مجنون يلوي عنقه ويزبد ويستعطف وضّاحا متوسّلا : »ابحث هل تجد من ذكر للعامريّة ؟ ترى أليست ككلّ النّساء ؟ابحث علّك تجدها في كتاب المذكورين « ومرّ في الرّيح جميل فضحك ممّا سمع وقال : »حمدا لله أنّي لم أوقظ بثينة من رقدتها. « 
وقال زهيّر الذي كان واقفا يرقب الجموع التي تحملهم الرّيح إلى الحرم ,قال وهو يشدّ على تلابيب ثوب كعب : »يا بني أرى غيمة في الأفق تساق نحو الحيّ وأرى أن نصلّي الاستسقاء عسى أن يرحمنا الله ببعض قصيدة أو يفتح علينا بمصراعي بيت يردّده الدّهر ذو الثّلمة .
جلس الطّفل تميم في مقعده المواجه مباشرة لمكتب المعلّم وكان يعابث المتنبيّ …أخرج الجميع أدواتهم وأطرقوا ينصتون للمناداة ,,,وحينما نُودي على درويش ,لم يجب فقال المعلّم : » هل ذهب ,هو أـيضا, إلى الحجّ ؟ »فأجابه المتنبّي : »للنّيل عادات وقلبي راحل ……. ».إلى آخر القصيدة. ثمّ بكى وبكى معه التاريخ المستدير حينها بالضّبط علم المعلّم أن درويش فقد نظّاراته فاستعصت عليه السّبل واضطرّ للسّفر إلى أمريكا لإجراء عمليّة للقلب المفتوح.
مرّ الجميع أمامي وأنا على حافة الزّمان وقبل النسّيئة بدرجات…مرّوا إلى الحجّ وفريق دهب للصّلاة وفريق هام في الأودية وقالوا وقالوا ولم يفعلوا شيئا ,لم يجد واحد منهم بمصراع بيت وظللت بلا سقف متّهم بأنّي خنت الأمانة .
أمّا أنا فكنت أواجه الرّيح بصدر عار وجرح نازف استبدّت به الرّيح والغبار …أنا واقف أمام السّبل المتداخلة وكان الغبار يسدّ فلولا في الزّمان العتيق.

في 10أفريل 2010

Laisser un commentaire

 

Les animaux en voie de disp... |
perso |
yohann67 |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | tout pour ton gsm
| Radio-Kipo - 98.11 KM
| Apprendre tout le blog vert