ماء الحياة

-          خذ يا بنيّ, إنّه ماء الحياة

 

هتفت دون أن القي عليه السّلام :

 

« ماء الحياة؟ »

 

 وخطفت الإبريق من يديه وأفرغت محتواه في جوفي دفعة واحدة .واخترقت دماغي فكرة

 

-:لقد شربت ماء الحياة فصرت الآن خالدا وبطريقة آلية صحت بكلّ ما فيّ من قوّة :

 

- »انظروا إليّ أيّها الناس « 

 

لم يعرف كوكبنا الأشيب مرّة واحدة تلك الفرحة التي تمتلك إنسانا ذاق ماء الحياة وأنا لا أستطيع أن أتمالك نفسي عن الضّحك, لقد كنت احسب حتّى الآن أنّ أعذب ما في الوجود هو ان تستيقظ بعد أن تكون قد رأيت في نومك أنّك في عداد الأموات . وأنة تغتبط من كلّ قلبك وأنت تستيقظ وترى انّك لم تمت وأنّا ما رأيته ليس سوى أضغاث أحلام إلاّ أنّ فكرة أنّنا كلّنا فانون على الرّغم من هذا كلّه كانت تبعث في القلب القشعريرة .

 

أمّا الآن فما أعذب أن ترى نفسك في الحلم وقد صرت عصيّا على الفناء .وكم كان بودّي لو يستمرّ حلمي هذا إلاى مالا نهاية . وتذكّرت فجأة بعد أن تعبت من الاستمتاع بفرحتي زوجتي وأطفالي ألقيت نظرة على الإبريق . لكنّ الإبريق كان فارغا , ما العمل ؟ستقول زوجتي أنّني لم ؟أترك لها قطرة ماء واحدة, وسيأخذ الأطفال في البكاء , وفي لومي ونعتي بأنّني من مخلّفات الماضي .سيهجرونني من غيظهم ويتركونني وحيدا . انتحبت ولطمت , وضربت على رأسي فما كان من والدي وقد رآني إلاّ أنّ قدّم لي إبريقا آخر من ماء الحياة قائلا :

 

-لا تبك يا نيّ

 

وأردف يوصيني :

 

-:اذكر يا بنيّ إنّ ما الحياة ليس ماء عاديّا ولم يعد عندي منه قطرة واحدة حاول أنت تنعم به على أكبر عدد ممكن من الناس .

 

فكّرت أوّل الأمر أنّه ينبغي عليّ أن أعطي زوجتي وأطفالي وأقاربي  ,لكنّ رئيسي في العمل تسلّل في ذهني دون استئذان متجاوزا دوره فقررت أن أهبّ إليه وإبريقي في يدي لكن ما العمل مع صديقي « دورج؟ »إنّنا مازلنا حتّى هذه السّاعة نتناقش في من سيموت منّا أوّلا فداء للآخر .وأخيرا قرّرت أن أعطيهم كلّهم قطرة قطرة من ماء الحياة .ثمّ اتّخذت قراري بحجب الماء عن رئيس المحاسبين الذي اقتطع منّي أجر ثلاثة أيّام لتغيّبي عن العمل وهو يقول لي: »القانون هو القانون »

 

ثمّ خطر لي أنّه سيكون أمرا غير صحيح وسليم أن أمنح الخلود لشابين يكتبان القصص الفكاهيّة بنجاح ,كما شطبت اسم جاري وهو زميلي في لعبة الشّطرنج ,لسلاطة لسانه ,ثمّ اسم صديقي » دورج » أيضا(هذا ما يستحقّه ,لقد وجّه إليّ إهانة شديدة بقوله:

 

-          إنّ لديّ مؤهّلات ,لكنّني لست إنسانا ذكيّا …)

 

-          وعندما كنت أضع علامة استفهام أمام أسماء آخرين حذّرني والدي قائلا :

 

-          -إذا قلت لشخص ما إنّك أعطيته ماء الحياة فإنّ هذا الماء يفقد صفته السّحريّة ,ويتحوّل إلى ماء عاديّ .قدّم المساعدة للناس من كلّ قلبك ,لاطلبا لشهرة أونيّ  مجدا .اذكر هذا دائما يا بني…

 

قدّم لي والدجي هذه النّصيحة وغاب .بقيت وحيدا مع إبريقي المملوء بماء الحياة وأخذت الأفكار المختلفة تراودني .هل هناك شيء أفضل من أإنقاذ إنسان من الموت ؟؟؟ألم تسمع بأنّهم سينصبون تمثالا لمن يجد طريقة للشّفاء من السّرطان ..فأيّ تمثال إذا سيكون من نصيب من يهب الآخرين الخلود ؟؟

 

-         لكن مهلا ..ماذا أوصاني والدي ؟قال على ما يبدو :إنّك إن قلت لشخص إنّك أعطيته ماء الحياة انقلب الماء وصار عاديّا. وهكذا لن يعرف أحد أنّه أصب خالدا بفضلي ,يا لأسفي ؟؟ماذا فعلت بي يا والدي؟ماء الحياة أم الماء العاديّ ؟؟ما الحلّ ؟إذا أعطيت رئيسي ماء الحياة ولم يعرف أنّني الذي جعلته خالدا فإنّه سيستمرّ في مضايقتي كعادته, لعلّي أهب الخلود لزوجتي على الأقلّ ؟لكنّها لن تعرف هي أيضا أنّني أنا الذي جعلتها خالدة وأظلّ أنا الذي أعطيتها ماء الحياة , وليس قلم أحمر شفاه ,لا لن يكون هذا أبدا …

 

-          أنا الذي شربت الإبريق المليء بماء الحياة ؟؟؟وأنني  وحدي الخالد …وحدي الخالد ,والآخرون ؟هاها …لكن مهلا فلن يعرف أحد أنّني صرت من الخالدين وبالتالي لن يحسدني أحد

 

لكن عندي هناك بضعة أشخاص يجب أن يعرفوا سعادتي حتما .وبشكل عام ما قيمة أن تكون خالدا إذا لم تتمكّن من الاستمتاع برؤية هؤلاء الأشخاص يموتون حسدا ؟؟؟وأخيرا أدركت أنّني لن أستطيع الاستمرار في الحياة إن لم أخبر أحدا بخلودي ولهذا قرّرت كتابة هذه القصّة ,وبعد أن فرغت من كتابتها ووضعت اسمي بأحرف كبيرة تحتها سكبت عليها ماء الحياة الذي قرّرت ألاّ أعطيه لأحد.وبسبب الماء ضاع كلّ ما كتبته  واختلط كما أخذ ماء الحياة الذي شرته يفعل فعله فيّ فصرخت وأفقت من غيبوبتي.

 

كان السّكون والظّلام يخيّمان على شقّتنا ,ولم يشعرني بوجودي إلاّ صوت الساعة الموضوعة على الطّاولة .نعم ,ما أجمل أن ترى أحلاما عن الخلود

 

قصّة للكاتب المنغولي :تس دورجفو توف

 

ترجمة :يوسف حلاّق –عن مجلّة العربي 370سبتمبر1989

 

(منقول من كتاب مدرسي)

 

 



Laisser un commentaire

 

Les animaux en voie de disp... |
perso |
yohann67 |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | tout pour ton gsm
| Radio-Kipo - 98.11 KM
| Apprendre tout le blog vert